أحمد مصطفى المراغي
226
تفسير المراغي
( يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ ) الفراش : هو الحشرة التي تراها تترامى على ضوء السراج ليلا ، وبها يضرب المثل في الجهل بالعاقبة قال جرير : إن الفرزدق ما علمت وقومه * مثل الفراش غشين نار المصطلى والمبثوث : المفرق المنتشر ، تقول بثثت الشيء : أي فرقته . أي إن الناس من هول ذلك اليوم يكونون منتشرين حيارى هائمين على وجوههم لا يدرون ما ذا يفعلون ، ولا ما ذا يراد بهم كالفراش الذي يتجه إلى غير جهة واحدة . بل تذهب كل فراشة إلى جهة غير ما تذهب إليها الأخرى . وجاء تشبيههم في آية أخرى بالجراد المنتشر في كثرتهم وتتابعهم فقال : « كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ » . ( وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ) العهن ( بكسر العين وسكون الهاء ) الصوف ذو الألوان ، والمنفوش : الذي نفش ففرقت شعراته بعضها عن بعض حتى صار على حال يطير مع أضعف ريح . أي إن الجبال لتفتتها وتفرق أجزائها لم يبق لها إلا صورة الصوف المنفوش فلا تلبث أن تذهب وتتطاير ، فكيف يكون الإنسان حين حدوثها وهو ذلك الجسم الضعيف السريع الانحلال . وقد كثر في القرآن ذكر حال الجبال يوم القيامة فقال : « وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ » وقال : « وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا » وقال : « وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً » كل ذلك ليبين أن هذه الأجسام العظيمة التي من طبعها الاستقرار والثبات تؤثر فيها هذه القارعة ، فما بالك أيها المخلوق الضعيف الذي لا قوة له ؟ وفي هذا تحذير للإنسان وتخويف له كما لا يخفى . وبعد أن ذكر أوصاف هذا اليوم بما يكون من أحوال بعض الخلائق - أعقب ذلك بذكر الجزاء على الأعمال فقال :